محمد غازي عرابي

835

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

أما العلم اللاحق فهو إحاطته سبحانه علما بتطورات الجزئيات المؤثرة في بعضها بعضا ، والمطورة لبعضها بعضا حسبما قال هيغل ، فيكون اللّه كالمهندس الذي خرج من مكتبه إلى الفلاة حيث يتم تشييد بنائه ، فيرى كيف يكون التنفيذ ، وأين يكون الغلط فيصححه ويوافق على الصواب ، ولو أن العالم غاب عن رقابة اللّه غمضة عين لدب الفساد فيه ، ويكفي أن يفكر الإنسان في بليوني نجم يسبحون في الفضاء وفق قانون هو في الوقت نفسه ، اللاقانون إن لم يكن اللّه هو صاحب القانون . [ سورة سبإ ( 34 ) : الآيات 4 إلى 5 ] لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ( 4 ) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ ( 5 ) [ سبأ : 4 ، 5 ] عذاب المعاجزين تفكيرهم نفسه ، فكما قلنا الفكر إشعاع الصفة ، والصفة إشعاع اللّه ، والمعاجز همه إنكار اللّه وإنكار قدرته وإثبات عجزه إن وجد ، وهذا تفكير من نمط معين ، فيكون تفكيره ذاته حاجزا يحجزه عن اللّه ويهوي به في واد سحيق . [ سورة سبإ ( 34 ) : آية 6 ] وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ( 6 ) [ سبأ : 6 ] العلم علمان : العلم النظري التجربي الاستدلالي التركيبي ، وهو علم العلماء ، وهو يفضي إما إلى الإيمان أو إلى الإلحاد ، وهذا مشاهد لدى العلماء الذي ينقسمون قسمين مؤمنين وملحدين ، فالعلم الفكري لا ينهض دليلا على وجود اللّه ، ولو نهض لما كان عالم مؤمنا وآخر ملحدا ، فثمت خلفية للفكر تتحكم فيه ألا وهي الصفة كما قلنا ، والصفة إلهام . أما العلم الثاني فهو الذي جاء ذكره في الآية ، وأصحابه هم الذين أوتوا العلم ، فهذا العلم هو اللدني الإشراقي خص اللّه به عباده كما جاء في وصف العبد الصالح الذي التقاه موسى عليه السّلام وقال فيه سبحانه : وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً [ الكهف : 65 ] ، وهذا العلم كشف في اليقظة والمنام يستخدم الصور وسيلة لفهم المعاني ، ومدخله ليلة القدر ، حيث يرفع الحجاب بين اللّه والإنسان ، فإذا اللّه إنسان عين الإنسان ونوره وهاديه ومضله ، ومتى استيقن العبد بهذا الإيمان الذي لا شك بعده ولا خوف ولا روغان سكن وسلم . [ سورة سبإ ( 34 ) : الآيات 7 إلى 9 ] وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ( 7 ) أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ ( 8 ) أَ فَلَمْ يَرَوْا إِلى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنَ السَّماءِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ( 9 ) [ سبأ : 7 ، 9 ]